أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

356

العقد الفريد

قال : حدّثني عن قول اللّه عز وجل : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ « 1 » إلى قوله : ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ « 2 » . أتعلم من المؤمنون الذين أراد اللّه في هذا الموضوع ؟ قلت : لا أدري يا أمير المؤمنين ؛ قال : الناس جميعا انهزموا يوم حنين ، فلم يبق مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلا سبعة نفر من بني هاشم : علي يضرب بسيفه بين يدي رسول اللّه ، والعباس آخذ بلجام بغلة رسول اللّه ، والخمسة محدقون به خوفا من أن يناله من جراح القوم شيء ، حتى أعطى اللّه لرسوله الظّفر ؛ فالمؤمنون في هذا الموضع عليّ خاصة ، ثم من حضره من بني هاشم ، قال : فمن أفضل : من كان مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في ذلك الوقت ، أم من انهزم عنه ولم يره اللّه موضعا لينزلها عليه ؟ قلت : بل من أنزلت عليه السكينة . قال : يا إسحاق ، من أفضل : من كان معه في الغار ، أم من نام على فراشه ووقاه بنفسه ، حتى تمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما أراد من الهجرة ؟ إن اللّه تبارك وتعالى أمر رسوله أن يأمر عليّا بالنوم على فراشه ، وأن يقي « 3 » رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بنفسه ؛ فأمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بذلك ، فبكى عليّ رضي اللّه عنه ؛ فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ما يبكيك يا عليّ ، أجزعا من الموت ؟ قال : لا ، والذي بعثك بالحق يا رسول اللّه ، ولكن خوفا عليك ؛ أفتسلم يا رسول اللّه ؟ قال : نعم . قال : سمعا وطاعة وطيبة نفسي بالفداء لك يا رسول اللّه . ثم أتى مضجعه واضطجع ، وتسجّى « 4 » بثوبه ، وجاء المشركون من قريش فحفّوا « 5 » به ، لا يشكّون أنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وقد أجمعوا أن يضربه من كل بطن من بطون قريش رجل ضربة بالسيف ، لئلا يطلب الهاشميون من البطون بطنا بدمه ؛ وعليّ يسمع ما القوم فيه من إتلاف نفسه ، ولم يدعه ذلك إلى الجزع كما جزع صاحبه في الغار ؛ ولم يزل عليّ صابرا محتسبا ؛ فبعث اللّه ملائكته

--> ( 1 ) سورة التوبة الآية 25 . ( 2 ) سورة التوبة الآية 40 . ( 3 ) يقي : يحمي . ( 4 ) تسجى : تغطي . ( 5 ) حفّوا به : استداروا حوله وأحدقوا به .